لا يعرف الكثيرون عن مجموعة (بادر ماينهوف) أو ما يعرف بالجيش الأحمر , مبتدعى أسلوب سرقة البنوك و خطف الطائرات لأسباب سياسية .. فى الواقع لا يعرف الكثير شيئاً عن أى شيء عندما يتعلق الأمر بالتاريخ السياسى , يستخدم الجميع صورة جيفارا طيلة الوقت ويستطيع معظمهم من التعرف عليه , ولكن بالكاد يعلمون عنه شيئاً .. تاريخ العالم وتداعيات ما بعد الحرب العالمية (الستينات والسبعينات) هى فترة مظلمة فى عقول الكثيرين , بينما هى فى الحقيقة محورية فى التاريخ الحديث .. لا أستثنينى من الحديث هنا , فأنا لم أعرف شيئاً عن حادث ميونخ الشهير الا من الفيلم الرائع الذى أخرجه (سبيلبرج) بنفس الإسم فى 2005 .. السياسة فى أذهاننا هى مزيج من ظلم الحكومة الأمريكية والاسرائيلية والمصرية (ظلم أى حكومة وخلاص) مع الاشادة بتجربة (تركيا والهند وايران) وأى ناس والسلام .. ناسين أن ميلاد ذلك التاريخ الحديث وظهور الخطط الأمريكية كان فى عصر (فايتنام) التى أشك فى أن حد لسه فاكر ما هو سبب الحرب عليها من الأصل ..
يبدأ الفيلم الألمانى (عقدة بادر ماينهوف 2008) بمخاطبة الوجدان الجمعى الألمانى والعالمى بتلك التداعيات المذكورة .. التفكير فى استخدام النووى فى فايتنام , قمع الشاه فى إيران وزيارته لألمانيا , الحرب الوقائية الإسرائيلية .. كل ذلك يصب فى الشارع الألمانى الذى صار مزيجاً من المظاهرات المستمرة والصراع ما بين المتظاهرين والشرطة , تدريجياً تنضم الكاتبة (اولريكة ماينهوف) الى مجموعة من الثوار اليساريين بقيادة (اندرياس بادر)
وتتشكل تلك المجموعة التخريبية المسماة مجموعة (بادر ماينهوف) و التى ستعرف فيما بعد رسمياً بمجموعة الجيش الأحمر .. أحداث الفيلم التى تدور بين روما و صقلية و الأردن و المانيا و السويد , تتجاوز حدود المحلية فى التفكير , وكما نرى فى احد المشاهد تقول البطلة " إن المانيا جبهة واحدة فقط , نحن نحارب مع الرفاق فى أى مكان فى العالم " .. اذن هو امتداد للحلم الشيوعى (الكابوس الأمريكى) الخاص بجيفارا بطريقة مختلفة , يعرض أيضاً الفيلم فى احدى مشاهدة الفارق بين ذلك الحلم الذى نشط لفترة فى العالم العربى وفى آوربا .. العرب فى حرب مع اسرائيل والتحرر يعنى لهم طرد العدو من أرضهم , بينما يعنى لدى الألمان مفهوماً مائعاً من الحرية الوجودية الفوضوية والتحرر الجنسى كما يقال أكثر من مرة فى الفيلم ..
السيناريو رائع و مليان استطرادات تاريخية وسياسية لا تفسد جانب الإثارة , فى الساعة الأولى منه بيعرض الشخصيات الرئيسية بتسلسل واضح وبيبدأ القصة من نقطة مهمة بدون تضييع وقت فى مقدمات , وبنقدر نعرف بسهولة شخصية الثوار اليساريين ودوافعهم (مع انها شخصيات صعبة جداً فى كتابتها) .. ومن خلال مهارة المخرج فى التقطيع ما بين الأحداث بيتدفق السرد فى الفيلم بسلاسة ووضوح , ويعاب على الفيلم فقدان ذلك التركيز فى النصف الثانى منه .. يعجز المتفرج فى النهاية عن إدانة الجيش الأحمر كإرهابيين أو احترامهم كثوار أو أبطال , لأن الفيلم اجتهد فى إظهار جانبى العملة بدون أحكام وبأكبر قدر من الموضوعية .. الفيلم من اخراج ومعالجة (اولى ايدل) وتم ترشيحه لجايزة أفضل فيلم أجنبى فى الجولدن جلوب وفى الأوسكار , وفاز بعدة جوائز

انتاج الفيلم ضخم وصورته مبهرة تقنياً وفنياً من خلال التصوير والديكور والمعالجة اللونية .. دقيق جداً فيما يتعلق بالإكسسورات والملابس وأماكن التصوير الخارجى وتنفيذ الإنفجارات على الشاشة والتقاط روح العصر ببراعة , بيستخدم اللقطات الأرشيفية الحقيقة مع اللقطات المصورة فى الفيلم بحيث لا يعيد تصوير كل الأحداث اللى بتتقاطع مع الحدث الرئيسى ويحافظ عليها بشكلها الذى يعرفه العالم (مش زى ما عودتنا الدراما المصرية بحشو المسلسلات بشخصيات ملهاش لازمة زى الملك فاروق اللى بيطلع كدور ثانوى فى كل المسلسلات التاريخية ) .. اداء الممثلين مليان حيوية و تقمص للشخصيات بقسوتها الثورية وضعفها الإنسانى والانتقال بينهم فى الأداء بسهولة , (موريتز بليبترو) فى دور (بادر) (وهو ممثل المانى مهم) و (جوانا وكاليك) فى دور حبيبته (انسيلين) كانا فى قمة تألقهم التمثيليى تلتهم البطلة الأخرى (مارتينا جيديك) فى دور (ماينهوف) بفارق بسيط , حتى فى اختيار الممثلين الثانويين وملامحهم بيظهر شكل الناس بتوع الفترة دى , وبشكل عام التمثيل أضاف كتير جداً للفيلم لإعتماده على سيرة الأشخاص الذاتية وليس الحدث نفسه (يهتم بالمفجر ولا يهتم بالإنفجار) وهو ما يميز السينما الأجنبية عموماً عن السينما الأمريكية التى يكون (الإنفجار المبهر) فيها هو رقم واحد .

بشكل مفزع يرينا الفيلم كيف ينحدر العالم من سيء لأسوأ , كيف تخلصت الدول (المتقدمة) من عنفها وقمعها بتصديره الينا , كيف عاشوا وسط كل هذا القدر من الفوضى والعنف والدموية والإنحلال , والآن أصبح العرب هم مصدر الإرهاب والشر فى العالم وصار عليهم تبرئة أنفسهم طيلة الوقت .. وكيف (وهذا هو أهم ما فى الأمر) أن الجوع والفقر والبطالة ليست المسبب الرئيسى للسخط والفوضى .. فقد نشأت نظرية شبه متفق عليها أن الفقر والبطالة وصعوبة العيش هى أسباب تردى أى مجتمع وغضبه من الحكومة , والحقيقة التى يطرحها الفيلم من خلال نظرته على التاريخ أنه القمع هو الذى يؤدى للثورات حتى فى البلدان الصناعية الكبيرة كألمانيا حيث لا توجد مشاكل اقتصادية تذكر ..
طبعاً لا اعتبر الأفلام السينمائية بديلاً عن الكتب , لكنها ذلك العالم الساحر الذى يستطيع أن يكون أداة تثقيفية قوية جداً ويظل مسلياً .. والفيلم الجيد فى النهاية مثل الكتاب يقدم المعلومة ووجهة النظر معاً , فقط يقدمها بالصوت والصورة والإحساس .. ولا يمكن أن ندعى بأن الأفلام لا تعرض المعلومة بدقة و تفرض وجهة نظرها على المتفرج لأن الكتب تفعل ذلك أيضاً .. والفيلم يتيح لك نظرة عامة على الموضوع يمكن من بعدها أن تبدأ قراءاتك المتعمقة الدقيقة إذا أثار الموضوع اهتمامك .. وهذا هو نموذج للفيلم السينمائى حين يلعب دور الكتاب ببراعة فائقةلا تفقده الإمتاع والإبهار والمصداقية
فيلم (عقدة بادر ماينهوف) مهم لمن يريد أن يعرف شيئاً عن تاريخ السياسة الدولية ويستمتع فى ذات الوقت , وأول ربع ساعة منه تلخص الكثير من الوضع السياسى الراهن , حتى ليبدو وكأن الناس فى السيتينات يتنبأون بما يدور الآن بحذافيره, لكن لا يوجد ما يمنع ان تكون تلك التنبؤات (وسط عشرات غيرها ) كانت بالفعل موجودة فى ذلك الوقت .. المباشرة السياسية فى الفيلم مصدر جاذبية, وهى أفضل وأكثر مداعبة للعقل والمشاعر من الأفلام التى يتم الترميز فيها للسياسة بشكل مستتر مفضوح (مثل آفاتار اللى كانت محاولته للرمز للحرب على العراق ساذجة وكوميدية) .. أحياناً تكون الصراحة والمصادمة هى الحل الفنى قبل الفكرى , وهذا لن (وأؤكد أنه لن) يوجد فى السينما الأمريكية سواء ذات الانتاج الضخم أو المستقلة .. بينما تتمتع آوربا الآن بإبتعاد عن السخونة السياسية مما يتيح لها حرية غير مسبوقة , تجربة ناضجة وصورة ممتعة جداً , حلم ثورى أشبه بالكابوس وجدل فكرى يدور فى إطار مباشر وبسيط .. فيلم عقدة بادر ماينوف من الأفلام الرائعة التى ستتوارى فى الظل وتختفى على الرف , لو لم نرها ويرها غيرنا من محبى السينما .. وهو الفيلم المناسب لهذا الأسبوع الثورى الصاخب سياسياً ..
ملحوظة
تم حل الجيش الأحمر رسمياً فى ابريل 1998 بخطاب أرسل الى وكالة رويترز يقول " منذ 28 عاماً مضت , فى 14 مايو 1970 , بدأ الجيش الأحمر حملة التحرير , واليوم هو نهاية المشروع , المقاومة المدنية فى هيئة جيش التحرير تعتبر تاريخاً منذ الآن " ..
تريلر الفيلم
معانى المفردات
بادر ماينهوف
Baader Meinhof
مجموعة جيش التحرير
Red Army Faction
ميونخ
Munich 2005
الفيلم متاح للتحميل من خلال التورنت , على اللينك ده
وبما ان اللغة الألمانية عند (بعضنا) ضعيفة .. ده لينك موقع متخصص فى ترجمات الافلام والتعامل معاه سهل وقاعدة بياناته عملاقة
اكتبوا اسم الفيلم فى البحث واختاروا الترجمة المتوافقة مع النسخة ..


2 comments:
الفيلم ده اول احتكاك ليا بالسينما الالمانية , مش متخيل اد ايه انبهرت بيه لدرجة ان في مشاهد كنت بعيدها مرة و اتنين و تلاتة , بطل الفيلم قريتلك تحليل لفيلم هو عمله "اجري لولا" و في فيلم تاني مهم برضة عمله عايز اشوفه هو فيلم تجربة
احييك عالمقال
انا فعلاً شفت الفيلم اللى بتقول عليه (تجربة) وشايف انه فيلم حلو ومهم وأحسن من النسخة الامريكية اللى اتعملت بعد كده .... بس الحقيقة ان نهاية الفيلم ماعجبتنيش وماحسيتش انه يرقى لمستوى الأفلام العبقرية ...
واشكرك على اهتمامك وردك
Post a Comment