Pages

Monday, November 15, 2010

رف السينما 9.. عن الرجال والآلهة .. فيلم العيد


من أروع الأفلام اللى شاهدتها هذه السنة , وقد قاربت على الانتهاء , هو الفيلم الفرنسى عن الرجال والآلهة 2010 للمخرج كزافييه بوفوا .. أصداء سمعة الفيلم وصلت لى فى البداية من مهرجان كان لهذا العام , حيث فاز الفيلم بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم وهى الجائزة الثانية فى المهرجان, واترشح للجايزة الأولى (السعفة الذهبية) ولكنها كانت من نصيب الفيلم التايلاندي (العم بونمي الذي يمكنه تذكر حيواته الماضية) واللى بيدور فى عالم الأرواح واستنساخها وبمعرفة أن لجنة التحكيم السنة دى كان بيرأسها المخرج الأمريكانى (تيم برتون) .. ممكن نستنتج ان ده كان عامل فى حصول الفيلم على الجايزة لأن كلنا عارفين علاقة (برتون) القوية بعوالم الأشباح والخيالات ..

يطلق على الفيلم روائياً من الناحية التصنيفية , لكنه يأخذ من السينما التسجيلية معظم أدواته ووسائل تأثيره , ويقف بالظبط فى المنطقة الفاصلة بين الصورة التسجيلية والدراما الواقعية .. والأفضل انه يعتبر فيلم تسجيلى أعيد تمثيل أحداثه بسبب عدم التمكن من تصويرها وقت حدوثها .. خاصة انها أحداث واقعية حصلت فى عام 1996 ولا دور لخيال المؤلف فى نسج الخطوط العريضة للفيلم ..وقصة الحادثة الحقيقية والفيلم بسيطة ..


دير فى أحد قرى الجزائر يسكنه كهنة بندكتيون فرنسيون فى عصر شدة الحملات الإرهابية المتطرفة فى معظم الدول العربية , كهنة هذا الدير يصبحون مهددين بخطر القتل مع اقتراب الجماعات الإرهابية من القرية , ويدور الفيلم فى إطار تراجيدى كلاسيكى حول إدراك هؤلاء الكهنة لمصيرهم المرتقب, ودراستهم للإختيارات المتاحة أمامهم سواء بالرحيل أو انتظار المصير المخيف فى هدوء .. شخصيات الفيلم مرسومة بوضوح وعمق وبساطة ومن البداية , بيضعنا الفيلم فى وضع التأمل الفلسفى شئنا أم أبينا , ويستعمل شاشة العرض كمسرح لخيالاتنا وأفكارنا وهواجسنا من خلال كلمات الحوار القليلة على لسان أبطال الفيلم .. ممكن نفهم بسهولة دوافع الأب (كريستوف) وتردده ما بين فكرة الخروج من الدير اللى بتبدو منطقية واستعداده التام للموت لو ده فى سبيل هدف أعلى دينياً , ونتفهم دوافع الأب (كريستيان) وهو شايف أن خروجهم فيه نوع من الهروب وإن كان فى بداية الفيلم مش عارف يحدده.. والدكتور القس (لوك) , اللى بيعالج الناس هنا من سنين , وبيقول فى أحد مشاهد الفيلم انه عالج كل الأنواع من البشر حتى الإرهابيين وحتى الشيطان نفسه ومش ناوى يروح فى حته وهيفضل يعالج فى الناس كده لحد ما يموت ... السرد فى الفيلم خطى جداً بيعتمد على التقاطع ما بين أفكار الشخصيات بتتخلله حوادث بسيطة لتحفيز المزيد من الأفكار , زى العلاقة بين الأب كريستوف والأب كريستيان اللى بتوصل لمشهد فى أحضان طبيعة القرية والأب كريستيان وصل أخيراً لمعنى الهروب وبيشرحه للأب كريستوف وكأن الإتنين بيفكروا بصوت عال كل منهم للقضاء على تردده الشخصى وبيصلو سوا لمعنى نهائى مختلف .

ابداع فكرة الطرد من الوطن فى الفيلم فاق الطرح التقليدى للفكرة فى أى فيلم تانى .. بدون الكلام عن تراب الوطن , ولا الأهل ولاالحبايب ولا العيال .. الموضوع أبسط من كده , ناس سابوا كل حاجة عندهم , وسابوا اهاليهم فى فرنسا وحياتهم كلها عشان يعبدوا ربنا ويساعدوا الناس ويعملوا خير .. إحساسهم ايه لما فجأة يكونوا مهددين بالقتل بوصفهم أعداء الله ومصدر للشرور , وكمان هما عارفين ان خروجهم من البلد يعنى تدمير حياتهم اللى بنوها من سنين ومايعرفوش غيرها, وكمان إن القرية هتفقد أهم مصدر لتماسكها قدام الإرهاب سواء اقتصادياً وطبياً أو روحياً (حتى لو مسلمين طبعاً) .. فى جملة عجبتنى لما كان شيخ بيسأل واحد من الرهبان فى نص الفيلم " هو انتوا هتسيبوا القرية وتمشوا ؟ " .. فرد عليه رد مخفف عشان ميحسش انهم هيهربوا " احنا زى العصافير اللى على غصن شجرة , منعرفش احنا هنروح فين بعد كده " .. فزوجة الشيخ ردت على طول " لأ , احنا اللى زى عصافير على غصن .. وانتو الغصن ده " ..

الفيلم على الناحية التسجيلية متألق تماماً , قادر على صنع الحالة المطلوبة من خلال اللقطات الطويلة وتسجيل تفصيلات الحياة العادية فى مشاهد السوق والقرية التى تعتمد تقريباً على علاقتها بالدير اللى اتبنى وقت بناء القرية تقريباً .. شريط الصوت مافيهوش أى نوع من المزيكا , مفيش موسيقى تصويرية فى الفيلم نهائياً , وكل الصوت عبارة عن جمل الحوار وأصوات الطبيعة , والتركيز فى شريط الصوت كان فى التناقض الرائع ما بين أصوات الزحام فى القرية وهدوء الدير المطمئن .. يقطع السرد الدرامى كل ربع ساعة تقريباً لقطات تسجيلية كثيفة لمناظر طبيعية أو صلوات كاملة يرتلها الرهبان ..

التصوير والإضاءة من العناصر الجمالية المذهلة فى الفيلم , مش بس شريط الصوت بتناقضاته بين الهدوء والزحام , لأن الإضاءة كمان فيها تباين مقصود بين المناظر الطبيعية ومشاهد القرية المضيئة بشكل كامل .. وبين مشاهد الدير التى تتراوح بين الظلام المريح و الإضاءات المرسومة كأنها لوحات عصر النهضة ..

كانت تجربتى خاصة فى الفيلم على أكتر من مستوى .. فى السينما جلست بجوار مجموعة من الراهبات من مختلف الجنسيات وكان حظى أن جلست بجوارى راهبة مصرية , تبادلنا حديث قصير قبل عرض الفيلم و أعربت لها عن اعجابى بإقبال الراهبات على تنظيم رحلة لفيلم سينمائى حتى وإن كان يتكلم عن دير مسيحى .. وخلال الفيلم لمحتها وزملائها أكثر من مرة فى توائم تام مع الشاشة, يتبادلون الحديث بمزيج من الفرنسية الركيكة ولغة لا اعرفها أظنها القبطية .. كنت اشاهد الفيلم وبين الحين والآخر القى نظرة لأرى ردة فعلهم  .. وفى النهاية خرج كل منا الى طريقة بعد تجربة أشعرتنى أننى بداخل عالم الفيلم تماماً .

عن الرجال والآلهة هو فيلم العيد .. مش بالمصطلح التجارى المعروف , لكن بالمعنى الحقيقى .. هو اهداء لنا من صانعيه جه فى وقته المناسب تماماً , والأنسب أن نستدعى فى وقت احتفالنا بعيد الأضحى المشاعر الروحانية الصافية و الشجاعة النادرة التى يعززها الإيمان بالله , واللى كانت أهم سمات قصة سيدنا ابراهيم وابنه اسماعيل وبداية عيد الأضحى .. حاجة ملهمة جداً أن يجدد الإنسان مشاعره من وقت لآخر , وأن يقبل على العيد بروح مغسولة من فيلم مليء بالتدين والايمان بالقدر وبالتسامح مع الأديان الأخرى والسعادة التى يخلقها الرضا ..
و كل عيد وأنتم طيبين ..


ملحوظات 
وجدت على الانترنت مقالاً رائعاً للناقد الكبير أمير العمرى عن نفس الفيلم , تتحول معه النوت السابقة الى كلام فارغ .. وهذا هو رابط المقال

التاريخ الحقيقى لنشر هذه التدوينة كان فى منتصف نوفمبر الماضى قبيل عيد الأضحى .
تحديث:
وصلت نسخة الفيلم الديفيدى على مواقع التورنت , لينك التحميل:



0 comments:

Post a Comment

 
Powered by Blogger