" رجل مسالم وأب لأسرة تقليدية , يصل مع زوجته وطفلتيه إلى فندق خالى تماماً ويعيشون فيه لعدة أشهر .. عندها يبدأ الرجل فى التحول المريب والمرعب , حتى اللحظة التى يجن فيها تماماً ليمسك بالفأس ويقتل إبنتيه وزوجته وينتحر " ..
بإختصار هو ده اللى بنعرفه فى بداية الفيلم على إنه حادثة حقيقية حصلت فى (فندق أوفرلوك) فى السبعينات على لسان مدير الفندق وهو بيقابل البطل اللى هيشغل وظيفة حارس الفندق طول فترة الشتا .. البطل بيسهتزأ بالقصة وبالفكرة العجيبة دى .. وبيروح يسكن هو وأسرته فى نفس المكان وفى نفس الظروف تقريباً ..
مع الوقت بنبدأ نلاحظ حاجات غريبة , وتحولات فى شخصية البطل تبان طفيفة لمن لا يسيء النية , لكننا نعرف .. ونتوجس ... ويبدأ الرعب فى التشكل بهدوء جدير بأستاذية المخرج .
مع الوقت بنبدأ نلاحظ حاجات غريبة , وتحولات فى شخصية البطل تبان طفيفة لمن لا يسيء النية , لكننا نعرف .. ونتوجس ... ويبدأ الرعب فى التشكل بهدوء جدير بأستاذية المخرج .
لقد كانت تلك الكلمات التى قيلت فى البداية, بمثابة "النذير" أو النبوءة فى الميثولوجيا .. وعلينا أن ننتظر فى ترقب لنرى هل سينجح الأبطال فى كسر قيود "النذير" , أم أن الأحداث ستقودهم للنهاية المأساوية المحتومة ؟!!
فيلم (تألق 1980) هو فيلم الرعب الأول فى تدوينات (رف السينما) .. والسبب هو أنه فيلم الرعب الوحيد للمخرج العبقرى (ستانلى كوبريك) .. الذى قدم لنا من قبل أفلاماً شهيرة بفلسفيتها مثل (البرتقالة الآلية 1971) و (أوديسا الفضاء 1986) و(أعين مغلقة على اتساعها 1999) .. يشبه الأمر أن ترى فيلم رعب من إخراج (يوسف شاهين) أو (داود عبد السيد) , بالتأكيد سيكون شيئاً فريداً جديراً بالمشاهدة .. (تألق) هو رواية شهيرة لأديب الرعب فائق الشهرة والموهبة (ستيفن كينج) الذى تتحول رواياته إلى أفلام فور صدورها , على الرغم من هذا لا أجد فى ذهنى الآن مثالاً على تلك الأعمال لأذكر القاريء به يرقى لمستوى جودة أو شهرة فيلم (تألق) .. والسبب ؟! السبب هو أن أفلام الرعب بسبب مداعبتها لغريزة الخوف لدى الجمهور أصبحت أقل تقديراً من النقاد عن الأفلام التى تداعب العقل أو المشاعر , وبالتالى أصبح مخرجين أفلام الرعب يقدمون ما يشاؤون دون مراعاة للإعتبارات الفنية إرضاءاً لجمهورهم المتعطش للرعب والدماء وتجاهلاً للنقاد الذين قرروا تجاهلهم من البداية .
ومشكلة أفلام الرعب فى السينما الأمريكية هى دائرة مفرغة وموضوع كبير .. على الرغم من أن بعض النقاد يرون أن فيلم الرعب هو تحفة نادرة إذا تمت صياغته ببراعة .. لأنه يخاطب النفس البشرية مباشرة دون وسيط , يحرك فيك غريزة الخوف الأولى .. فى المشاهد الشهيرة حين يقترب البطل من البطلة ليقبلها فى عنقها , ثم نكتشف وهو يواجه الكاميرا أنه يملك أسنان مصاص دماء حادة .. يشهق الجميع فى السينما ويعبر بنا الفيلم حاجز الخوف .. الناس فى الحقيقة لا تخاف (دراكيولا) أو مصاص الدماء كما صوره الفيلم , لكنها تخاف الشخصيات الودودة الناعمة التى تقترب منك كصديق ثم تغدر بك وتكتشف شرها بعد فوات الأوان .. وذلك المشهد الذى حكيته ليس سوى تجسيد لفكرة الحبيب الذى يغدر بحيبته أو يخونها وهى لا تتوقع منه ذلك .. أى أن أفلام الرعب يمكن أن تكون مسرحاً رائعاً وابداعياً للدلالات والمخاوف والأفكار التى تنتاب كل الناس وإن تم تشكيلها فى صورة خيالية , وهذا بالظبط هو ما فعله المخرج الكبير (ستانلى كوبريك) فى رائعته (تألق) ..براعة التكنيك هى مفتاح نجاح (كوبريك) الذى يبتكر طوال الوقت طرقاً جديدة لمعالجة فيلمه بصرياً , الحركة الحرة طول الوقت للكاميرا والتى تحوم حول الأبطال .. اهتزاز الكاميرا مع ضربات البطل بالبلطة على الأبواب تعطى ثقلاً مرعباً للبلطة فى عصر ما قبل الجرافيكس والتكنولوجيا , وهو تأثير ابتكارى جميل .. الموسيقى التصويرية واستخدامها بأشكال مختلفة على مدار الفيلم .. تصميم ديكور الفندق بحيث يشبه متاهة كبيرة , لقطات البداية فى الفيلم التى تجعلنا ننظر للطريق عبر الجبال إلى الفندق على أنه متاهة أكبر .. التصميمات المرسومة على السجاد فى الفندق والتى أصبحت أيقونة لمحبى السينما , الألوان المستخدمة فى الديكورات وموظفة بعناية لتخدم غرضاً دلالياً .. فى اللقطات الواسعة لسيارة البطل على الطريق فى بداية وصول الأسرة الصغيرة إلى الفندق , نراهم يتركون الغابات الخضراء ويسيرون فى طريق ملبد بالسحب الغائمة على ارتفاع شاهق حيث تنتظرهم فى عمق الكادر قمة جبلية مغطاة بالثلوج .. كل هذه التفاصيل الدلالية فى لقطة واحدة فى سنة 1980 قبل عصر الكومبيوتر جرافيكس بفترة , وتشعر وكأن الطبيعة تؤدى دورها المرسوم فى الفيلم .. دقة شديدة هى فى اختيار مكان اللقطة وميعاد التصوير بناءاً على توقعات الطقس بالتأكيد .. لكنها مبهرة على الشاشة ..
و طبعاً لا يمكن اغفال المزيد من تلك الدلالات الرمزية الواضحة على مدار الفيلم , وبالذات الخاصة بألوان وزخارف الديكور والتصوير .. مثلاً استخدام اللون الأحمر فى ديكور الحمام فى مشهد اللقاء بين البطل الذى هو فى طريقه للجنون , وشبح الأب المجنون الذى قتل ابنتيه ..حيث يحاول ذلك الشبح اقناع الأب بأن يكرر ما قام هو به من قبل .. وعلى الرغم من لا معقوليه أن يكون الحمام بأكمله باللون الأحمر , فإننا نتقبل ذلك لأنه يدل على جنون البطل وعدم اتزانه واستغراقه فى عالم دموى ..و هكذا نرى فى الفيلم الكثير من الرموز والأفكار الواضحة التى تم استخدامها فى أفلام أخرى لمخرجين آخرين , بل تم عمل أفلام بأكملها بناءاً على تلك الأفكار .. فمثلاً أسلوب تقطيع اللقطات والمونتاج الحاد والخيالات التى تظهر فيها الأشخاص جامدة وربما القصة نفسها ستذكرك بسهولة بفيلم ( جزيرة شاتر 2010) لسكورسيزى بشكل لا يدع مجالاً للشك .
أداء (جاك نيكلسون) بالنسبة لى هو أسوأ شيء فى الفيلم .. أداء جدير فعلاً بالجوكر فى فيلم باتمان , ولا يمكن بأى حال أن يكون مقنعاً كأداء مختل نفسياً .. نظراته زائغة شريرة ماكرة طول الوقت حتى فقدت معناها وتحول لمهرج .. مش عارف الحقيقة ان كان ده رأيى لوحدى وللا رأى عام , بس هما بيعتبروه من الممثلين (الكبار) ونجاحه كله فى (التمثيل) بيرجع لفيلمين .. (تألق 1980) و(أحدهم طار فوق عش الوقواق 1975) .. يعنى هو المفروض فى الفيلم ده بيمثل بشكل رائع وفى أفضل حالاته السينمائية .. وعلى العكس أرى أن أداء (شيللى دوفال) فى دور الزوجة كان دافئاً وممتلئاً بالمصداقية والحميمية حتى أنها فرضت على الشخصية شكلاً خاصاً ومختلفاً .. وبالتأكيد ساعدها على الإبداع دقة المخرج وتركيزه فى التفاصيل , حيث قيل أن (كوبريك) أعاد تصوير مشهد المواجهة بمضرب البيزبول فى ذلك الفيلم أكثر من 100 مرة , وأنه صور لقطة نهر الدم 25 مرة .. ولا أعرف ان كانت هذه حقيقة أم لا .. لكن من يشاهد فيلم (أوديسا الفضاء) وهو أروع أفلام (كوبريك) بلا منازع , سيعرف أن هذا ممكن ..
برغم نجاح الفيلم .. كان لكاتب الرواية (ستيفن كينج) رد فعل سلبى تجاهه, وقال أنه دى الرواية الوحيدة التى لم يحب المعالجة السينمائية التى قدمت لها (مع ان ليه فيلم اسمه (الرجل الراكض) كان من بطولة أرنولد شوارزينجير !!!وكان سيء جداً !) .. وصرح للصحافة بأنه كان مخطئاً حين باع الرواية لستانلى كوبريك , لأنه – طبقاً لكينج – دمر تماماً ما كان مقصود من الرواية وأغفل دور إدمان البطل للكحول في وصوله للجنون , وقال انه هو نفسه وقت كتابة الرواية كان بيعانى من ادمان الكحوليات وبالتالى كان جزء مهم فيها .. وأن شخص كثير التفكير قليل العاطفة, يدين (باللا أدرية) كستانلى كوبريك ماقدرش يعبر عن الجزء الخيالى فى الرواية (اللا أدرية دى ديانة على فكرة !) .. النقطة اللى انا باتفق فيها مع (ستيفن كينج) انه كان شايف ان (جاك نيكلسون) مش مناسب للدور وأنه كان يتمنى ممثل أكثر هدوءاً فى ملامح وجهه ولا يبدو الجنون ظاهر عليه من أول الفيلم .. قام (ستيفن كينج) فى 1997 بإنتاج وكتابة حلقات تليفزيونية جديدة لنفس الرواية .. لكن طبعاً النتيجة كانت حلقات متوسطة الكتابة ورديئة الإخراج وماقدرتش تعدى نجاح الفيلم ولا حتى توازيه ..
مهما قال منتقدى الفيلم , فإن ستانلى كوبريك بالتأكيد قادر على صنع حالة مزاجية (موود) مناسبة تماماً .. ومن دقته تشعر وكأن كل ما امامك على الشاشة ينتمى إلى عالم الفيلم , ولا توجد لمحة واحدة فى الديكور أو الملابس أو التصوير أو الأداء توحى بأن كل هذا تمثيلاً , أو "ليس حقيقياً" بأى شكل .. و لا شك ان (تألق) هو وجبة سينمائية دسمة ومن أكثر أفلام الرعب إثارة للعقل .. وكعادة هذه الأفلام الكبيرة يكثر الجدل والإختلاف بين محبى السينما حول كل شيء , بدأً من جودة الفيلم وحتى التفسيرات المختلفة لرموز القصة , ومن سيرهق نفسه ببحث صغير على جوجل سيكتشف أن مئات المقالات كتبت حول هذا الفيلم تحلله وتفسره وتنقده وكأنه حادثة تاريخية هامة وليس مجرد فيلم سينمائى جميل وراق يضاف لمجموعتنا الصغيرة من الأفلام .
تريلر الفيلم
لينكات خارجية:
- مقال للكاتب أحمد خالد توفيق يتحدث فيه عن فيلم ( أوديسا الفضاء) أشهر أفلام المخرج
( المقال يحكى قصة الفيلم بالتفصيل ويحرقها تماماً .. ادخل على مسئوليتك)
- وهذه مدونة كاملة خصصت للفيلم , لتحليل لقطاته وبعض رموزه وأخطاء التصوير ... الخ
معانى المفردات
أحدهم طار فوق عش الوقواق
البرتقالة الآلية
أوديسا الفضاء
أعين مغلقة على اتساعها
اللا أدرية (الشكوكية)
جزيرة شاتر
الرجل الراكض
الفيلم متاح للتحميل من خلال التورنت , من خلال اللينك ده
أو
و ده لينك موقع متخصص فى ترجمات الافلام والتعامل معاه سهل وقاعدة بياناته عملاقة
اكتبوا اسم الفيلم فى البحث واختاروا الترجمة المتوافقة مع النسخة ..






0 comments:
Post a Comment