فيلم (شكسبير يحب) من أكثر الأفلام جدارة بلقب (أفلام على الرف) ولا أعرف السبب! شكسبير نفسه ككاتب مسرحى لا يوجد طالب فى المدرسة لا يعرفه .. والفيلم حديث الانتاج نسبياً (1998) .. وحاصل على 7 جوائز أوسكار من بينها أحسن فيلم وأحسن سيناريو وديكور وأزياء وممثلة أولى (جوينيث بالترو) وممثلة ثانية (جودى دينش) .. ومع ذلك يتجاهله الكثيرون, ويجهله آخرون!
يصنف الفيلم على موقع IMDB على انه (كوميدي/درامى/رومانسى) .. على الرغم من اننى أعتقد أن من أكثر الأشياء اثارة للدهشة وللإعجاب فى تلك القطعة الفنية هو تعامل المخرج ببراعة مع قضية (النوع) فى السينما .. وقضية (النوع) فى السينما بإختصار , هى التصنيفة الكلاسيكية لأنواع الأفلام التى اعتاد عليها جميع البشر لحد ما بقت القالب اللى بيصبوا فيه الفيلم للحكم عليه من غير ما يشوفوه أو حتى يسمعوا فكرته أو يشوفوا حتى اعلانه .. فيلم اسمه (سبايدرمان) يبقى أكيد نوعه (أكشن/خيالى) , فيلم ( مذبحة تكساس المنشارية) يبقى أكيد نوعه (رعب) !! .. وبالتالى بقى اسم الفيلم وبوستر الفيلم , هو بوابة الفيلم للتصنيف السريع المجحف أحياناً ..
حتى اذا طبقنا ذلك التقسيم الصارم الظالم ورضينا به من أجل احتياجات السوق , فمفهوم (النوع) حتى بيتغير للفيلم الواحد مع تطور السينما والجمهور والوقت ... ومثال على كده أفلام الأبيض والإسود اللى كانت هى الأفلام العادية وفجأة اضيف لتصنيفها (أبيض وأسود), وأفلام أكشن الستينات اللى فجأة اتحولت من أكشن لـ (ويسترن) أو (حرب) لأن اللى فيها مابقاش أكشن بالنسبة للجيل الجديد .. فنلاقى فيلم مثل (الطيب والشرس والقبيح - 1966) دون أن يتغير محتواه إطلاقاً , تحول تصنيفه من فيلم (أكشن) إلى فيلم (ويسترن) .. وأصبح أن تطلق عليه تصنيف فيلم (أكشن) هو شيء فى غير محله إطلاقاً .. نظرية (النوع) التى تحكم الأفلام السينمائية دى فى الأساس مشتقة من مثيلتها فى تصنيف الأدب , والسبب فى أنها لم تختف حتى الآن برغم عيوبها الواضحة وتعميمها المؤسف هما السببين الواضحين : حاجة الجمهور لمعرفة أكبر قدر من المعلومات بسهولة وفى أقل وقت, و حاجة جهات الإنتاج للتسويق لسلعتها بإستخدام أقصر طريق .. وفى المنتصف تضيع صرخات المبدعين ومنظرى السينما للحفاظ على فردية كل فيلم .
آسف على الاستطراد .. ونرجع للفيلم ..
شكسبير نفسه من الشخصيات التى أثير حولها جدل كثيف على كل حاجة, بدءاً من كتاباته وهل هى اقتباسات مقدمة بطريقة كلاسيكية فاشلة أم ابداع محض, هل اسمه ده حقيقى وللا هو إسم مستعار .. هل وجد شكسبير أساساً وللا كان شخص آخر يكتب تحت مسمى وهمي.. دراسات كتيرة اتعملت فى المجال ده وإن كان اغلب الظن إن شكسبير وجد بنفس الطريقة التى يعرفها العالم .. ما تبقى لنا من حياته الشخصية هو تلك الألغاز المريبة بالإضافة لصورة شخصية واحدة غير معلومة الفنان والتاريخ وموجودة بمتحف اللوحات القومى فى لندن .ترك المؤلف كل ماسبق, ولم يبال بتلك الأسرار والألغاز والتعقيدات, وقدم (شكسبير) بشكل مختلف تماماً .. قدم شكسبير فى فيلم وكأنما كتبه شكسبير نفسه ويشبه كثيراً مسرحياته الكوميدية .. حتى وجه شكسبير المعروف من تلك اللوحة الشهيرة تغاضى عنه المخرج تماماً وهو ينتقى بطله ..وبخلاف جرأة المؤلف وعبقريته فى خلط (الأنواع) السينمائية لينتج لنا كوميديا رومانسية شكسبيرية مميزة لمن قرأ شكسبير أو شاهده من قبل … فقصة الفيلم نفسها وأشخاصه مثيرين للمتعة والخيال أكثر بكثير من أى محاولة ساذجة لتتبع الحقائق التاريخية ..
إذا أردت أن تفكر بالطريقة التقليدية لوجدت أن الفيلم يضرب عرض الحائط بالكثير من الحقائق التاريخية, ولو أردت ان تعتبر هذا عيباً فانت حر .. لكن بالنسبة لى العمل الفنى ليس كتاباً وليس مرجعاً, والأهم من اتقان التاريخ هو اتقان نقل الشخصية , وذلك لا يتم إلا من خلال (وجه نظر) الفنان التى تجعلك فى النهاية تشاهد وأنت مقتنع أن (شكسبير) كان فعلاً هكذا, وكأنك تراه أمامك وتشعر به وقد عاد للحياة .. وإن نظرت للوجه الآخر من العملة حيث يحاول المؤلف الإلتزام بالتاريخ وهيئة الشخصية على حساب وجه نظره , لوجدت بسهولة المسلسلات (التاريخية) التى ننتجها كل عام عن فنانين الزمن الماضى, وتخرج كلها بلا أى طعم ولا علاقة لها بالفنان الأصلى وبلا أى نجاح يذكر ..
أما إذا أردت أن تفكر بطريقة مختلفة لوجدت أنه حتى تخيل حياة شكسبير بهذا الشكل العجيب لا يتعارض مع (صورتنا عنه), بل بالعكس يقدم نظرة مختلفة جديرة بالتأمل عن أن حياة شكسبير لابد وأنها كانت مثل فنه مليئة بالتشكيلة العجيبة والروح الكوميدية الساخرة والرومانسية والتراجيدية أحياناً حتى يستطيع أن يقدم تلك الأنواع المختلفة من الفن الصادق ..
سيناريو الفيلم للمؤلفين (مارك نورمان) و(توم ستوبارد) مضفراً بعناية من أول مشهد وحتى النهاية المذهلة ليخدم ذلك الغرض , و يحتوى على الكثير من المصادفات القدرية , الكثير من سوء الفهم الذى يؤدى لعواقب وخيمة ويستمر لعدة فصول , رجال يتنكرون فى شكل نساء ونساء يتنكرن فى شكل رجال , حب مجنون , مبارزة بالسيوف .... الخ , بإختصار .. وجد المؤلفان أن احسن طريقة لتجسيد حياة شكسبير فى فيلم هو أن يجعلاه قطعة من عالم شكسبير العتيق الكلاسيكى و الساحر !! حتى جمل الحوار التى تأتى على لسان (ويليام) نفسه طول الفيلم لها طابع شعرى, وهى إضافة أخرى ليأتى الفيلم قريباً من مسرحيات البطل الحقيقية ..
إذا تمكننا من التحرر من قبضة السيناريو المسيطرة على العمل بشدة .. لوجدنا أن المخرج (جون مادين) بدوره قدم رؤية جيدة واهتم بالعناصر التى تجعل الفيلم شائقاً .. مونتاج رشيق وموسيقى تبقى فى الذهن طويلاً ( حصل مؤلف الموسيقى ستيفين واربك على جائزة الأوسكار فى هذا الفيلم) .. تكوينات الممثلين وتشكيلات الحركة (الميزانسين) فى الفيلم لاحظت أنها غير ذات دلالة معينة , أى انه لا يعتمد على التعبير من خلال تكوين الممثلين وحركتهم التى هى أساس فى التعبير فى اخراج المسرح .. واعتمد بشكل كبير على حركات الكاميرا والأحجام والمونتاج مع تهميش حركة الممثل , باستثناء ديكور واحد فقط فى الفيلم وهو ديكور (مسرح الوردة) - مكان التدريب على العرض - نفسه .. حيث بدا فجأة وكأنه انتبه فجأة لتكنيك اخراج المسرح : فاستخدم الديكور المبنى على أكثر من مستوى بشكل رائع , وأدار عدة مشاهد تتنوع ما بين التدريب على العرض , وبعض المواجهات الدرامية , ومبارازات مثيرة .. وكلها بتنسيق حركة وتكوينات للممثلين جديرة بمخرج مسرحى مبدع !! ربما كان مخرج الفيلم يقصد أن يقتصر استخدامه لقدراته فى الإخراج المسرحى على مشاهد (المسرح) دون باقى الفيلم أو لم يقصد ! .. لكنها كانت إضافة للتنوع البصرى فى الفيلم ما بين أساليب الإخراج السينمائى وجماليات اخراج المسرح اعتقد انها كانت متعمدة ..
ما اعتبره مفاجأة حقيقة (حتى اننى أدخرته لنهاية التدوينة) هو الممثل الذى يقوم بدور شكسبير .. (جوزيف فينيس) .. بالرغم من أن هناك عشرات الممثلين العاملين فى هوليوود من ذوى الأصول الإنجليزية والأسكتلندية يتم استخدامهم فى بطولة ذلك النوع من الأفلام ويعرفهم المشاهدون جيداً , ومن ضمنهم (جوينيث بالترو) و(جودى دينش)و (كولين فيرث) الذين كان أداؤهم مميزاً كالعادة .. كان اختيار الممثل الذى لم يقدم من قبل دور تاريخى ليقوم بدور البطل .. (ويليام شكسبير) نفسه .. مبنياً بالتأكيد على اختبار أداء للدور خضع له كثيرين, وليس على سمعة الممثل وصداقته مع المخرج أو المنتج .. ولا عزاء للإستسهال والطريقة المصرية فى اختيار الممثلين !!
فى النهاية .. الفيلم حلماً رقيقاً يمتزج فيه الإخراج الفنى بالأزياء بالموسيقى بالشعر بالآداء .. لمحبى عوالم شكسبير .. وعاشقى أجواء بروفات المسرح (التدريبات لأوقات طويلة .. التوتر قبل العرض .. النجاح فوق خشبة المسرح) .. هو علاج فعال لجميع العقد المسرحية للجمهور المعقد مسرحياً (من أمثالى) .. ومع اننى لا أضمن ان تستمع – كما استمتعت أنا – بكل هذه الخزعبلات حول عقدة المسرح ورسم الحركة والمنظور المختلف لحياة شكسبير وكسر إطار (النوع) التقليدى فى السينما ..
.. لكن بدون تردد أضمن لك فيلماً طريفاً للغاية متقن الصنع للغاية وفائق الإمتاع ..
تحذير واجب : لا أدرى ان كان هذا عامل طرد أم هو فى الحقيقة عامل جذب .. لكن الفيلم يحتوى على بعض المشاهد الحسية.
تريلر الفيلم
معانى المفردات
مذبحة تكساس المنشارية
الطيب والشرس والقبيح
الفيلم متاح للتحميل من خلال التورنت , من خلال اللينك ده
أو
و ده لينك موقع متخصص فى ترجمات الافلام والتعامل معاه سهل وقاعدة بياناته عملاقة
اكتبوا اسم الفيلم فى البحث واختاروا الترجمة المتوافقة مع النسخة ..





4 comments:
تحليل موضوعي للغاية - بانتظار تحليلك أو نقضك الفيلم القادم
لو حبيت تتكلم عن فيلم seweeny todd هاكون سعيد
كان فين ده من زمان ؟؟ أشكرك على الاختيار ده بجد وتحليل حضرتك مشوق جدا...لو كل غيبة طويلة هيطلع بعدها نوت حلوة كده وفيلم بالوصف اللي حضرتك بتقوله ده يبقى تغيب براحتك :))...في انتظار التدوينات اللي جاية والأفلام المركونة فوق الرف
شكراً جداً يا تسنيم .. وان شاء الله هاحاول ما اتأخرش كتير كده تانى
الفيلم ده جبار بجد حول روميو وجولييت من قصة أو مسرحية عالمية لأسطورة , طول عمري شايفة إن روميو وجولييت قصة جميلة ولكن مش حساها.. بعد الفيلم ده أنا بعتبرها من أجمل ما كتبه شكسبير .. والممثلة آداءها ملهم بجد
Post a Comment