Pages

Wednesday, January 11, 2012

!!رف السينما 20 .. و هلأ لوين ؟


فيلم نادر آخر من الأفلام القليلة التى أتكلم عنها أثناء استمرار عرضها بالسينمات ولا أشعر بأنها تخالف فكرة رف السينما .. من الأفلام التى تمر على المشهد السينمائى المصرى بشكل عابر وخفيف ولا تلقى الاهتمام والحفاوة الكافيين ويندثر ذكرها بمرور الوقت! وضمانى الشخصى قبل أى حديث عن الفيلم أنه سيجعلك تضحك أكثر من أى فيلم كوميدى عربى أو اجنبى عرض هذا العام ونال حظه من اهتمامك, وسيجعلك تبكى كذلك..

 .. وكالعادة, هذه المدونة لا تقدم نقداً موضوعياً للأفلام .. بل تقدم دعوة صريحة وترشيح واضح لمشاهدة هذا الفيلم وتحاول اقناعك بأن تغادر مقعدك وتذهب لمشاهدة شيء مختلف قد يثير اعجابك وانبهارك .. وهو فى هذه المرة تحفة نادين لبكى الفنية الجديدة (وهلأ لوين؟!).

الحرب الأهلية اللبنانية وإن كانت موضوع محبب للحديث عنه فى السينما اللبنانية تحديداً فهو ليس أول فكرة تخطر فى ذهنك وانت تفكر فى فيلم كوميدى غنائى, ويحمل الكثير من الذكريات التى قد لا يحب أحد ان يتذكرها والكثير من الشجون التى تجعله منطقة حساسة فى نفس كل من عاصر تلك الحرب أو سمع عنها وتأثر بمآسوية أن يتقاتل أبناء البلد الواحد بسبب الطائفية .. ولكن هنا الواقعية السحرية هى اسم اللعبة, والاختيار الإبداعى للطرح السينمائى الذى جعل لهذا الفيلم قيمة فنية مختلفة عن المعتاد ..

و(الواقعية السحرية) هو مصطلح اشتهر فى وصف بعض أعمال كتاب امريكا اللاتينية الروائية .. وهو بحسب تعريفه النصى :" نوع أدبي تظهر فيه عناصر سحرية ( خيالية ) أو أحداث غير واقعية في إطار واقعي بهدف تعميق فهم الواقع " .. وأوضح مثال عليه فى الرواية هى القطعة الأدبية الشهيرة (مائة عام من العزلة) .

وببساطة الواقعية السحرية هى دس عناصر خيالية وسط بيئة واقعية, غالباً بسبب عجز الواقع نفسه عن تقديم التصور الفنى المناسب للإبداع .. وبتالى يستخدم الخيال كحيلة لإغراء القاريء أو المشاهد بتقبل الأفكار والصور والحلول التى لم يكن ليقبلها فى الظروق التقليدية الواقعية .. وقد تكون تلك العناصر السحرية أو الخيالية واضحة غير ممتزجة بالواقع كما شاهدنا من قبل فى فيلم (بانز لا بيرينث) فى تدوينة سابقة .. أو تكون تلك العناصر على صورة شبه واقعية مغزولة فى الواقع , أى أن المخرجة والممثلة اللبنانية (نادين لبكى) فى فيلمها الروائى الثانى اختارت أن تقدم تلك الخيالية وذلك السحر فى عناصر بسيطة تتحدى المألوف من الواقع فى جرأتها وتقدم حلولاً ابتكارية تبدو هزلية للمشكلات .. لكنها بكل أسف قد تكون الحلول الوحيدة فى مجتمعات صارت مقسمة ذاتياً إلى أطياف بينها خطوط واضحة, وواقع أشد لا منطقية من الخيال نفسه ..

يحكى لنا الفيلم حدوتة خيالية حالمة .. عن ضيعة لبنانية صغيرة يفصلها عن المدينة البعيدة جسر مهدم ومحفوف بالألغام, وأهالى عانوا من قبل من ويلات الحرب الطائفية التى أفقدت كل بيت فى القرية شهيداً .. تحاول تلك الضيعة التماسك واستعادة توازنها من خلال طيبة أهلها وفطرتهم المتحابة .. ولكن أخبار تصاعد الأحداث والاشتباكات تجاهد لتخترق الضيعة البعيدة السعيدة وتكاد حرب صغيرة أن تنشب بين أهلها بسبب توتر الأحداث فى البلاد .. وهنا تجتمع نسوة القرية من المسلمات والمسيحيات ويقررن مواجهة ذلك الطوفان الذى يتهددهم بالمزيد من الضحايا بكل الطرق والوسائل الممكنة , المعقولة منها واللا معقولة بعد أن يقررن أن هذه القرية بحاجة لمعجزة لتظل هادئة ومتماسكة !

تلعب نادين لبكى فى الفيلم دور آمال, وعلى الرغم من بساطة الدور فى تطوره الدرامى إلا انه يمثل رمزاً واضحاً وهو المرأة فى أبسط صورها .. المرأة فى منتصف العمر حيث تصلح أن تكون زوجة وأماً واختاً وابنة فى ذات الوقت.. ونرى فى بداية الفيلم أن لها فقيداً من حرباً سابقة وان كنا لا نعرف طيلة الفيلم من هو تحديداً .. وتحب تلك الفتاة المسيحية رجلاً مسلماً فى خيطاً رومانسياً جانبياً يمثل التوازى فى علاقة المسلم المسيحى فى الضيعة وكيف أنهما برغم كل الود والحب والطبيعة الطيبة لا يلتقيان .

بطلات هذا الفيلم بلا منازع هن السيدات التى اختارتهن نادين لتمثيل أدوار نساء القرية (ومعظمهن كما أعلنت المخرجة من الهواة) .. قمة الأداء التمثيلى الراقى خفيف الظل القادر على انتزاع التأثر من المشاهد .. ممثلات كوميديات بارعات, وأمهات حقيقيات لا تشك لحظة فى نقائهم وتلقائيتهم على الشاشة ويقدرن – كما تقدر الأمهات فى كل مكان – على التحول فى لحظة واحدة للتمثيل التراجيدي المبكى .. ولا تزال نادين لبكى فى فيلمها الثانى بعد (سكر بنات 2007) تراهن على المرأة كمصدر للعطاء والحكمة والبصيرة والاهتمام بالرجال الذين هم فى باطنهم مجرد أطفال بحاجة لإهتمام الأم .. وبالفعل تهدى الفيلم بالكتابة فى نهايته لأمهاتنا جميعاً ..

المحير كذلك فى نسيج الفيلم هو المزج بين تلك الواقعية السحرية المذكورة سلفاً و ثقافة المسرح الإغريقى الواضحة مع كل الاختلاف والتشابه بين الثقافتين .. حتى أن الفكرة الأساسية التى بنى عليها الفيلم مقتبسة بوضوح من مسرحية الكاتب الإغريقى (أريستوفان) المسماه (ليزيستراتة 411 ق.م) والتى تحكى عن مجموعة من النساء فى مدينة يونانية يحاولن ايقاف الحرب المشتعلة منذ سنوات من خلال ان يتفقن جميعاً على التوقف عن ممارسة الحب مع أزواجهن حتى ينهوا تلك الحرب .. والمغزى من وراء المسرحية اليونانية يتفق كذلك مع توجه نادين لبكى السينمائى فى تعظيم دور المرأة التى هى أساس ترابط المجتمع وهى الأرض والخصوبة والحب والرحمة والطبيعة والوطن .. بينما الرجال هم الذين يصنعون الحروب التى تصب ويلاتها فى النهاية على النساء الثكلى.. ملامح التأثر بالمسرح الإغريقى امتدت كذلك لبداية الفيلم من خلال (البرولوج) أو الافتتاح الموسيقى الذى تحكى فيه آمال مدخلاً لقصة الفيلم .. كذلك يمكن فهم تلك المقدمة الموسيقية بشكل آخر وهو السرد الروائى الذى يتناسب مع ذلك الجانب الخيالى من (الحدوتة) فى الفيلم .

تقنياً .. قدم الفيلم نموذجاً لصانعى السينما العرب فى اجتماع البراعة والانسيابية, ومخرجته ترسم فكرتها وتغزلها بهدوء وخفة , وتتنقل من خلال سيناريو كتبته المخرجة مع الكاتبين (رودنى الحداد - جهاد حجيلى) بيسر بين الكوميديا الصارخة والميلودراما فى لحظات قليلة وبجمل حوارية قصيرة لاذعة تخلق طرافة تلقائية من داخل تفاعل الشخصيات طوال الفيلم ,وذلك دون أن تقع فى فخ السخرية من الحرب وقتلاها والاستخفاف بآلام المجتمع اللبنانى, ودون أن يفقد الجمهور احساسه بأهمية الحدث وشجونه وينخرط فى الضحك والدعابة .. ونجحت كذلك فى تجاوز حاجز  الصدمة البصرية بحدوده المألوفة فى السينما العربية لأكثر من مرة, وقدرت على أن تصدمك بلقطات واضحة من التعرض للرموز الدينية .. وتثير فى نفسك الإنزعاج المطلوب لتدرك خطورة الموقف, وبأننا لسنا بعيدين عن حدوث مشاهد كهذه – لا يرغب فيها عاقل – فى واقعنا العربى الذى لا يزال غامضاً مخيفاً ..

على المستوى البصرى .. صورة الفيلم لمدير التصوير (كريستوف اوفينستاين) عبارة فى مجملها عن لوحات كلاسيكية تحتوى على الكثير من الحنين والعاطفة النقية للضيعة الفقيرة الفطرية, من خلال الإكسسوارات القديمة والألوان الدافئة التى تضافرت مع ملابس (كارولين لبكى) وديكورات (سينثيا زهار) بشكل ساحر, ولا شك أن خبرة (نادين لبكى) الطويلة فى الأغنية المصورة كانت وراء خلق تلك الصورة السينمائية رفيعة المستوى .. وجاءت اللمسة الفنية النهائية لذلك الفيلم فى موسيقى (خالد مزنر) العبقرية (التى تمثل وحدها تجربة شعورية كاملة) والأداء الغنائى الملائكى لـ(رشا زريق).
 ولا يمكن أن انتهى من تحليل الجانب التقنى فى الفيلم دون الإشادة بتصميم الاستعراضات البسيط والمعبر سواء فى المقدمة الموسيقية للفيلم أو فى الأغنية الرومانسية التى تجمع البطل والبطلة فى المقهى فى مشهد من أقوى مشاهد الفيلم بصرياً وتقنياً ..
الفيلم الفرنسى/اللبنانى/المصرى/ الايطالى (وهلأ لوين) هو واحد من أفضل الأفلام التى شاهدتها منذ سنوات وعوضنى عن ذلك الفراغ السينمائى الرهيب الذى حظيت به السينما العربية فى عام 2011 .. بالتأكيد سيكون الفيلم متاحاً على الفضاء الإلكترونى فى وقت قصير للمشاهدة والحكم .. لكننى قمت بكتابة ونشر هذه التدوينة بشكل سريع لأنقذ جمهور محبى السينما من رؤيته على الشاشات الصغيرة, ولأنصحهم باللحاق بالتجربة السينمائية البديعة الحقيقة .. والذهاب لمشاهدة هذا الفيلم الجميل فى دور العرض فى أسرع وقت ممكن ..

تريلر الفيلم


اللى معندوش فكرة كفاية عن الحرب الأهلية اللبنانية وبيتلخبط فى احداثها زيى كده, ممكن يبدأ باللينك ده من ويكيبيديا ..

ملحوظة جانبية: افكر فى كتابة امتداد لهذه التدوينة بتدوينة قريبة قادمة تحمل المزيد عن الحرب الأهلية اللبنانية , وربما تدوينة أخرى أو اثنتين عن الصراع العربى الإسرائيلى فى مشروع جديد لمجموعة من التدوينات حول التاريخ السياسى العربى الحديث من خلال الأفلام السينمائية ! .. اتمنى قراءة رأيكم فى ذلك الاقتراح أو اقتراحاتكم المختلفة فى التعليقات ..


6 comments:

Tasneim Maged said...

أنا من أول مرة شفت التريلر بتاع الفيلم ده وأنا عايزة أشوفه جدا, وده لأكتر من سبب منهم إنى حبيت فيلم سكر بنات جدا , وعجبنى آداءها وآداء كل اللي كانوا في الفيلم وقتها , وكمان الموسيقى كانت وهمية , باختصار الست دي بتخرج شغل حلو وممتع وإنسانى , بشكل يخلينى أثق في قدراتها الإبداعية , إن شاء الله هشوفه , لأن واضح إنه حلو فعلا , أما عن النوت فهى مليانة بحماس وإعجاب يخلى أي حد يحب يشوف الفيلم , بقالك كتير يا دكتور ماكتبتش نوتس ,بس حضرتك راجع المرة دي بقوة ما شاء الله ,أما عن فكرة إن حضرتك تكمل في الكتابة عن الحرب الأهلية , والصراع العربى الإسرائيلى فدي فكرة أنا أؤيدها جدا , بصراحة عشان الواحد ينمى ثقافته شوية , ويشوف حاجات جديدة . اختيار حلو ,وكلام مشجع... ربنا يوفقك دايما يا دكتور ممدوح

Mamdouh Salah said...

شكراً يا تسنيم على اهتمامك المستمر .. وشوفى الفيلم هيعجبك

Abd elkhalek said...

ايه الجمال ده يا كبير انا حبيت الفيلم من قبل ما اشوفه , حلو موضوع الربط بالتاريخ ده جو اهيد الله معك

Ahmed Bakr said...

هشوفه ان شاء الله :)

ahmed sallam said...

ana shoft el film el mobher ely 7ass eno hwa ely mmken ykon kan bynafs film asmaa el snadi we bgdddd 3gbny gda ro2ytk we twde7k ll film
we m3ak gda fi mashro3 emtdad el tdwenaaaa
we ya reeeeeeeeeeeeeeeeet mtta5rsh 3lena tany fi ktabaaaaa

Mamdouh Salah said...

شكراً لكل التعليقات .. هدفنا ارضاؤكم :)

Post a Comment

 
Powered by Blogger