
من غير أى مقدمات .. الفيلم المكسيكى الناطق بالأسبانية متاهة بان 2006 هو فخر الصناعة المكسيكية الأسبانية , حائز على جايزة السعفة الذهبية فى مهرجان كان , واترشح لست جوايز أوسكار اخد منهم تلاتة (التصوير والإخراج الفنى والماكياج) وماخدش تلاتة ( احسن سيناريو واحسن موسيقى واحسن فيلم أجنبى) .. وبالتالى فواضح ان الفيلم كويس , وواضح انه مهم سواء بالنسبة للناس اللى بتحب السينما وعايزة تتفرج على فيلم ماتنساهوش بسهولة , أو بالنسبة للمصورين اللى اكيد هيهتموا بالجوانب الفنية فى الصورة المبدعة للفيلم ..
كنت عايز احط الفيلم ده كأول فيلم فى سلسلة النوتس , لكن الفيلم كان أتقل من ان يتم تناوله كأول فيلم واحنا لسه بنسخن , وخصوصاً ان الفاشية الاسبانية مش من الموضوعات اللى الواحد يتكلم فيها قبل ما يسخن .. مبدئياً الفيلم مش سياسى , الفيلم بيدور فى سنة 1944 والحرب العالمية التانية لسه ماخلصتش , المانيا وايطاليا فى عداد المنتصرين ونازلين بهدلة فى العالم على المستوى الخارجى .. على المستوى الداخلى احداث الفيلم فى أسبانيا بعد خمس سنين من نهاية الحرب الأهلية الأسبانية وفى شبه ثورة ضد النظام اللى كان موجود وقتها ..
فى ظل الظروف السياسية المنيلة , يختار المخرج والمؤلف المكسيكى جوليرمو ديل تورو أنه يقدم لينا ملحمة انسانية واضحة التشابه مع قصة لويس كارول الأشهر مغامرات اليس فى بلاد العجائب 1865 , و أى حد شاف فيلم اليس فى بلاد العجائب 2010 لتيم بيرتون , هيتأكد ان تيم بيرتون شاف الفيلم بتاع النهاردة .. وشافه كويس جداً كمان , لدرجة ان فيه لقطات ومشاهد كاملة بتتكرر بنفس التكوينات تقريباً , عشان تعرفوا ان مش عندنا بس (بنقتبس) من الأفلام الاجنبية !

البنت بطلة الفيلم شخصية مطحونة درامياً فى الفترة الحرجة ما بين المراهقة والطفولة , بتنتقل مع أمها الحامل بعد وفاة والدها لمعسكر حربى بيديره قائد فى الجيش هو اللى اتجوز امها بعد موت أبوها وهى حامل منه .. البنت بتهرب من واقعها من خلال قصص جنيات للأطفال بتقراها طول الوقت , لحد ما بتبتدى تتفاعل مع القصص دى وتفتح من خلالها عالم من الأحلام المثيرة ..
بان هنا هو اسم اله المراعى عند الإغريق , واللابيرينث دى برضه متاهة شهيرة جداً فى الميثولوجيا الاغريقية بناها المهندس ديدالوس للملك مينوس ملك كريت عشان يحبس فيها المينوتور ( وده بنى آدم كارف على تور كده) , وبعد كده اتسمت اى متاهة دائرية بالإسم ده .. اللى يهمنا من الكلام ده هو اسم الفيلم (بانز لابيرينث) يترجم على انه متاهة الاله بان اله المراعى , غير كده موضوع الفيلم مختلف تماماً عن الجزء التاريخى والفكرة كلها هى وجود متاهة تاريخية مهجورة جنب معسكر الجيش وهى دى اللى بتبدأ منها الأحداث .
المؤلف جوليرمو ديل تورو هنا هو نفسه المخرج .. ولو لاحظتو هتلاقوا ان تلاتة من الأربع افلام اللى اتكلمنا عنهم المخرج هو المؤلف .. ودى اكيد مش صدفة قد ما هو تأكيد على أهمية المخرج/المؤلف صانع الفيلم .. المهم , المؤلف هنا بينسج خيوط الدراما بطريقة فريدة , فبدل ما بنشوف فيلم حالم خيالى بعيد عن الحقيقة زى رواية اليس .. بنشوف واقع صادم وعنيف بتتخلله لحظات من المغامرة والغرابة والعوالم الجديدة , وكل ده بيربطنا لحد لحظة التنوير قرب نهاية الفيلم لما بتتجمع كل الخيوط فى النهاية البديعة للسيناريو ..

بيعيش ابطال الفيلم (كل واحد فيهم ) فى عالمه الخاص .. عالم خاص مش بيسمع فيه صوت فى راسه بيكرر جمل حوار فاتت , ولا بيفكر فى دماغه بصوت عالية .. لكن عالم خاص كأنه دايرة حواليه , والدايرة دى صوت وصورة بنشوفها على الشاشة .. وطول الوقت دواير الشخصيات بتتماس وتلمس بعضها بالعافية من غير ما تتقاطع بجد .. دايرة البنت ودايرة القائد الشرس ودايرة الأم المغلوبة على أمرها , منتهى البراعة فى نسيج السيناريو بتصور كل حاجة بتحصل للشخصية على انها حقيقية بالنسبة له وبالنسبة لنا , بخلاف عالم البطلة البنت الخيالى .. لما بتحط حاجة فى مشروب القائد وبيبتدى يدوخ , اللقطات اللى بتجمعه بيها بتكون عادية , لكن لما بيبقى لوحده فى الكادر بنلاقى كل حاجة حواليه بتتموج كأن احنا اللى دايخين .. شخصية تانية من أجمل وادق الشخصيات كتابة هى مرسيدس الخادمة فى المعسكر واللى بتساعد الثوار فى السر .. سيناريو درامى بيجمع ما بين الدراما الحربية والدراما الواقعية الحزينة والعالم الخيالى فى توازن بيخلى تصنيف الفيلم معجزة بالنسبة لأى متفرج , وأهم نقطة ابداع لصانع الفيلم

فى محاولات كتيرة لترميز الفيلم واضفاء طبقات من التحليل الفلسفى للمسطح الخارجى , لكن أنا مابفضلش الكلام عن ده لأنها فى النهاية وجهة نظر من المتفرج مش كتالوج للفيلم ولا لغز وبنحله .. لكن كمثال على اللى اقصده , مثلاً تتابع مشهد وليمة قائد الجيش اللى ضمت مجموعة من نماذج المجتمع الفاشى , وبعده مشهد وليمة الوحش اللى من غير عينين , خلى كتير يقولوه ان الوحش هنا بيرمز للفاشية اللى مش شايفة المجتمع الاسبانى بعينيها لأن عينيها فى ايدها (هو الوحش كده) وده رمز للمادية الشديدة (لأن الايد هى أساس حاسة اللمس ) ..

أو مثلاً فى مشهد المهمة الأولى , الشجرة المجوفة اللى من بره غير مثمرة لكنها من جوه رطبة وغنية بترمز لرحم الأم حيث بتحدث للبطلة ولادة جديدة , واستنادهم فى كده لأن شكل الشجرة الخارجى حتى يشبه شكل الرحم ... الكلام عن الرموز دى مابيخلصش ودى مجرد أمثلة منى للى بيحب يتبحر فى دلالات الفيلم الخفية
على مستوى الإخراج , جوليرمو ديل تورو حقيقى كان مفاجأة لأن أفلامه السابقة ( وأعظمها بلايد – وهيل بوى) ماكنتش مبشرة بفيلم على المستوى ده من الصدق والقوة وفى نفس الوقت جودة التكنيك, ايقاع الفيلم المتوازن والإخراج الساحر هما اللى قدروا يبروزوا شكل السيناريو عشان يطلع على الصورة المطلوبة فى النهاية , تحكم المخرج الشديد فى لغته السينمائية من خلال الصورة واستخدام الموسيقى التصويرية ولحظات السكون وكل عناصر الماكياج والاكسسوارات , خلى للفيلم طابع الأفلام الكبيرة الناضجة ومش مجرد فيلم مغامرات تقليدى ..
الممثلين كلهم أدائهم متميز وإن كان أكترهم تحكم فى شخصيته هو سيرجى لوبيز الممثل الأسبانى القدير فى دور القائد .. الإخراج الفنى قدر يصنع عالم غاية فى الخيال فى وسط الديكورات المنطقية لزمن ومكان الأحداث بحيث مايحصلش أى غربة للى بيتفرج خلال الانتقال من الاحداث الواقعية للخيالية والعكس .
أجواء تصوير الفيلم الحائز على الأوسكار بتخليه زى ما هو متعة للذهن وفرصة للإستمتاع بالتمثيل الرائع والخدع السينمائية المتقنة .. كمان بيبقى تجربة بصرية دافية وأصلية , ومعايشة كاملة لمتاهة البطلة الاجتماعية ومتاهتها الخيالية بدون مبالغات , الفيلم للكبار فقط بسبب وجود مشاهد عنيفة فيه , لكن اللى مسامحهم فى الكام مشهد دول يتفرج على الفيلم عشان يشوف نضج سينمائى حقيقي , وزمن جدير بأفلام الرعب بتحصل فيه قصة جديرة بالرسوم المتحركة ..

للتحميل بالتورنت , الفيلم متاح على الانترنت من خلال الوصلة التالية :
وبما ان اللغة الأسبانية عند (بعضنا) ضعيفة .. ده لينك موقع متخصص فى ترجمات الافلام والتعامل معاه سهل وقاعدة بياناته عملاقة :
اكتبوا اسم الفيلم فى البحث واختاروا الترجمة المتوافقة مع النسخة..


1 comments:
رائعة إسبانية من الصعب أن تتكرر! أعجبني الفيلم كثيراً.. أحببت الدمج بين الفانتازيا وأجواء الحرب. إستمتعت بقراءة مقالك وتفسيرك لبعض الرموز المخفية بالفيلم لأني لم أنتبه لها.
Post a Comment